الصالحي الشامي
271
سبل الهدى والرشاد
الباب السادس والعشرون في بيان معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( حياتي خير لكم وموتي خير لكم ) روى مسلم عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها فجعله فرطا وسلفا بين يديها ، وإذا أراد هلاك أمة عذبها ، ونبيها حي ، فأهلكها وهو ينظر فيقر عينه بهلاكها حيث عذبوه وعصوا أمره وإنما كان قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرا لأمته لأنهم إذا قبضوا قبله انقطعت أعمالهم وإذا أراد الله بهم خيرا جعل خيرهم مستمرا ببقائهم محافظين على ما أمروا به من العبادات وحسن المعاملات ، نسلا بعد نسل ، وعقبا بعد عقب ) . وروى ابن سعد وإسماعيل القاضي - بسند رجاله ثقات - عن بكر بن عبد الله المازني مرسلا قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، فإذا أنا مت كانت وفاتي خير لكم ، تعرض علي أعمالكم ، فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شرا استغفرت لكم ) . قال الشيخ : - رحمه الله تعالى - في ( فتاويه ) : ليس قوله ( خيرا ) أفعل تفضيل فإن ( خيرا ) لها استعمالان : أحدهما : أن يراد بها معنى التفضيل لا الأفضلية ، وضدها الشر وهي كلمة باقية على أصلها لم يحذف منها شئ . والثاني : أن يراد بها معنى الأفضلية ، وهي التي توصل ب ( من ) وهذه أصلها أخير حذفت همزتها تخفيفا ، ويقابلها شر التي أصلها أشر . قال في ( الصحاح ) : الخير ضد الشر قال الشاعر : فما كنانة في خير بخائرة * ولا كنانة في شر بأشرار وتأنيث هذه خيرة وجمعها : خيرات وهن الفاضلات من كل شئ ، قال تعالى : ( فيهن خيرات حسان ) [ الرحمن 7 ] ( أولئك لهم الخيرات ) [ التوبة 88 ] ولم يريدوا بها معني أفعل فلو أردت معنى التفضيل قلت : فلانة خير الناس ولم تقل : خيرة [ وفلان خير الناس ولم تقل أخير ] ولا تثنى ولا تجمع ، لأنه في معنى أفعل انتهى كلام الصحاح . وقال الراغب في ( مفردات القرآن ) الخير والشر يقالان على وجهين أحدهما : أن يكونا اسمين كقوله تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ) [ آل عمران 104 ] .